تأملات في سورة الحج د. ولاء رفاعي سرور

تأملات في سورة الحج

 

د. ولاء رفاعي سرور

 

سورة الحج تكلمت عن أهوال القيامة:" إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ"، وتكلمت عن الإذن بالقتال:" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"، وتكلمت عن الشعائر والعبادات:" ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب"، وخصت شعيرة الحج بالذكر حتى جعلت السورة باسمها .

والرابط بين القتال والشعائر هو أن الجهاد إنما شرع لحماية الشعائر والعبادات.

وهو ما أكدته السورة نفسها:" وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز"؛ فمن اعتقد بتعطيل فريضة الجهاد بحجة تعبيد الناس لربهم أولاً فهو واهم؛ إذ لن يسمح لك الطرف المعادي لدين الله ولن يعطى لك الفرصة !!

ثم بينت السورة أن الهدف من الجهاد ليس القتل في حد ذاته وإنما الهدف هو (التمكين لدين الله وتعبيد الناس لربهم)؛ لذا قال بعدها في نفس السورة: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور"،

_ وبيَّن في نفس السورة أنه بإقامة فريضة الجهاد استحق المسلمون أن يكونوا هم الشهداء على الناس: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس"، ثم أعاد التأكيد على أن الهدف من هذا الجهاد ليس القتل في حد ذاته وإنما: "فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ".

أما مناسبة ذكر الدار الآخرة وأهوال القيامة بعد الحديث عن القتال والشعائر فهو أنه إذا اختفت الشعائر من الأرض ولم يكن هناك مقاتلون مجاهدون يحمون وجودها؛ فحينئذ يقيم الله الساعة؛ كما ورد في صحيح مسلم: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال على الأرض: الله الله ".

_ ولأن الحديث عن وصف أهل النار في كل سورة يتناسب مع مضمونها؛ وصفت السورةُ هنا صنفاً من أهل النار؛ وهو المتردد المذبذب في دين الله:" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين"، وهو نفس الصنف الذي وصفته آيات القتال في سورة النساء بأنه مبطئ متردد مذبذب:" وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا"؛ لنجد أنَّ العذاب في نفس السورة يتناسب مع الفعل:" كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ"؛ فقد كانوا يدخلون فى الدين ويخرجون منه بحسب ما يتعرضون له من فتن فيحاولون الخروج من نار جهنم لكنهم يعادون فيها كما كانوا يعودون للكفر.

_ وفي السورة ذَمَّ اللهُ نوعاً من الناس:" وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم"؛ٍ إذ الهدف من الجدال أصلاً هو الهروب من تنفيذ الشعائر وتضيعها كما وضح القرآن نموذج جدال بني إسرائيل في ذبح البقرة، وقد كان واضحاً جلياً جدالهم لمجرد التهرب من التنفيذ.

أما أهل الإيمان فلم يكن ردهم على التكليف جدالاً يُضيع شعائر الله؛ بل قالوا:" سمعنا وأطعنا"؛ فناسب أن يمدح أهلَ الإيمان في نفس السورة بأنهم:" وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيد".

_ في آخر السورة لطيفة من اللطائف؛ وهي أنها قد خصت عبادة الحج بالذكر، ولأنَّ لباسَ الحج لباسٌ مخصوص يتجرد به الحاج من زينة الدنيا، ويترك ثيابه التي اعتاد عليها؛ تذللاً وتواضعاً لله؛ كان عقاب الكافرين الذين تكبروا عن تلك العبادة وذلك التذلل في نفس السورة:" فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَميم"؛ فكأنما حلت مكانَ ثياب الحج ثيابٌ من نار لما أعرضوا عن أمر الله .

نسأل الله العفو والعافية.