تعليق على فتوى مجلس الإفتاء الأعلى بسورية وهل يجوز العفو عن أنصار النظام السابق

 

تعليق على فتوى مجلس الإفتاء الأعلى بسورية

هل يجوز العفو عن أنصار النظام السوري السابق؟

 

د. هاني السباعي

 

سأل سائل كريم: هل يجوز العفو عن أنصار النظام السوري السابق من ضباط وجنود وقضاة والمفتي العام لنظام بشار الأسد، وإعلاميين، وشبيحة، وجواسيس؟ وطلب السائل تعليقًا ـ ولو مختصرًا ـ على فتوى المجلس الأعلى للإفتاء في سورية بشأن حكم الثأر والانتقام خارج القضاء والقانون.

 

أقول، وما توفيقي إلّا بالله تعالى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

 

قبل الدخول في الجواب أُقدم بتقدمة موجزة:

 

كلمة لا بدّ منها لمجلس الإفتاء الأعلى، برئاسة المفتي العام الشيخ أسامة الرفاعي، الذي يفتي وفق «مقياس أحمد الشرع». صدرت الفتوى المنشورة في 10 ذي الحِجّة 1446هـ الموافق 6 يونيو 2025م. أقول:

 

هل الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد المُهيمن على جميع مناحي الحياة في سورية؟ بالطبع لا؛ والدليل على ذلك «دستور جنكيز خان» العَلماني الذي أقرّه أحمد الشرع عام 2025، فقيّد الشريعة في زاوية ضيّقة من حياة المسلمين! فمِن أيّ منطلق يفتي مجلس الإفتاء الأعلى بفتوى تتعلّق «بعدم الافتئات على سلطة الدولة»؟ مع التنبيه إلى أنّ مجلس الفتوى شُكِّل بقرار رئاسي (برئاسة أحمد الشرع) بتاريخ 28 مارس 2025.

 

ومن عجائب المقدور! أن تصدر فتوى المجلس الأعلى بعنوان: «حكم الثأر والانتقام خارج القضاء والقانون». حسنٌ: ثبِّت العرش ثم انقش! ما المقصود «خارج القضاء»؟ وهل القضاء يستند أصلًا إلى الشريعة الإسلامية؟ أم إلى دستور أحمد الشرع لعام 2025؟ وما المقصود «خارج القانون»؟ أهو قانون أحمد الشرع ومراسيمه المخالفة للشرع الحنيف؟ لماذا هذا اللَّفّ والدوران بذريعة «الافتئات على السلطة»؟! لماذا تدليل أهل الباطل، وإنزال شآبيب الرحمة بأنصار الطاغوت، وغضّ الطرف عن أهل الحق؟!

أحسب أنها فتوى ما أريد بها وجه الله تعالى! إنما تلكم  فتوى لهدر دماء الأبرياء، وقهر أولياء الدم! ورفع شأن الأشقياء أنصار الطاغوت السابق!.

في الحديث الصحيح: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»؛ والرحمة بظالمي الأمة من ضباط وجنود وشبيحة وأشباههم ظلمٌ وخذلان للمظلومين.

 

أمّا إيثار أنصار النظام السابق والشبيحة على دماء الأبرياء الذين قتلوهم، والإصرار على قهر أولياء الدم، فليس رضا العمّ سام – أو غيره – بأولى من رضا ربّ العالمين.

 

يا مجلس الإفتاء الأعلى بسورية! قال تعالى:

    ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: 48).

    أفالشريعة الإسلامية هي المهيمنة حقًّا، أم دستور جنكيز خان لعام 2025؟ اتقوا الله وتوبوا قبل فوات الأوان.

 

هذه فتوى شرعية كان ينبغي أن تستند إلى الوحي، لا إلى دستور عَلماني يساوي بين المسلم والمرتد، ويعادل بين المجاهد والشبيح:

    ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم: 35–36).

 أما التخويف من إشاعة الفوضى في المجتمع! فهذه "شنشنة أعرفها من أخزم"! فقد سبقكم بها طواغيت كثر! القذافي ومبارك وما بشار عنكم ببعيد! ألم يقل إما هو أو الفوضى! فالحكم بدستور علماني هو بعينه الفوضى!!

 

وعلى كلّ حال، أُجيب السائل الكريم عن حكم العفو عن أنصار النظام السابق في النقاط الآتية:

 

أولًا: بشار الأسد طاغوت نُصيري يحكم سورية، يجمع بين سوأتين: النُّصيرية – وحكمها معلوم عند علماء أهل السنّة – والحكم بغير ما أنزل الله، وهو مكفِّر في ذاته، فضلًا عن موالاته أعداء الإسلام واستباحته الدماء المعصومة.

 

ثانيًا: ضباطه وجنوده وقضاته وشبيحته وجواسيسه وإعلاميوه المحرّضون على المسلمين أنصارُ طاغوت؛ يظاهرونه ويناصرونه ويطيعونه. قال تعالى:

 

    ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (البقرة: 256).

    وقال أيضًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: 51).

 

ثالثًا: جيش بشار وشرطته وقضاته ومفتيه وشبيحته وإعلامه قاتلوا نصرةً للطاغوت لا للشريعة، وكانوا في طاعة الشيطان ومنهجه.

 

رابعًا: قال تعالى:

 

    ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76).

 

خامسًا: القصاص في الدماء حقّ خالص لأولـياء الدم، ولا يملك أيُّ حاكم التنازل عنه.

 

سادسًا: أنصار الطاغوت ـ من ضباط وجنود ومفتي الديار وقضاء وشبيحة وجواسيس وإعلام ـ  طائفة كفر وردة، ارتكبوا جريمة الإفساد في الأرض.

 

سابعًا: وعليه، فليس لأولـياء الدم، ولا لأيّ حاكم – ولو كان الإمام الأعظم – أن يتنازل أو يتصالح أو يعفو عن هؤلاء المحاربين للإسلام وأهله.

 

ثامنًا: من ادّعى الإكراه بعد القدرة عليه، فإن نجا من حكم الردة – بعد نظر القاضي الشرعي، الذي مرجعه الوحيد الشريعة – فلا يُعفى عن القتل، فالإكراه لا يبيح دمًا معصومًا، ونفسه ليست أعزّ من نفس المقتول.

 

تاسعًا: مفتي الديار الذي عيّنه أحمد الشرع يستند إلى دستور عَلماني يقلّص الشريعة (انظر المادة 3)، ويساوي بين المسلمين وأعدائهم:

 

    ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: 35).

 

عاشرًا: فحوى فتوى مجلس الإفتاء «صكوك العفو» عن جيش الطاغوت وشرطته وقضاته وشبيحته وإعلامييه، إرضاءً لأحمد الشرع وداعميه!.

 

حادي عشر: يا مجلس الإفتاء! لقد ساويتم بين من كان يقاتل في سبيل الله ومن كان يقاتل في سبيل الطاغوت! أين مراعاة تتمّة الآية:

    ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ (النساء: 76).

 

ثاني عشر: كان  ينبغي شرعاً على مجلس الإفتاء أن يفتوا بإنزال عقوبة الردة والقصاص والإفساد في الأرض على أنصار الطاغوت بشار من جيش وشرطة وشبيحة وجواسيس، والمفتي العام السابق، والإعلام المناصر للسفاح! لكن يا للحسرة! خالفتم قول الله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) آل عمران آية 187.

ثالث عشر: فمجلس الإفتاء  أصدر فتوى بعدم الافتئات على السطلة! وما هي إلا فتوى لهدر دماء الأبرياء! ورفع شأن الأشقياء أنصار الطاغوت السابق! آثر المجلس  حب المنصب والجاه، واشترى رضا أحمد الشرع والطواغيت الذين يدعمونه ويظاهرونه ويظاهرهم على المؤمين!.. ما الفرق بينكم وبين حسون؟!!  

 

صفوة القول

 

إن القصاص في الدماء من حق أولياء الدم وحدهم، وليس لأي حاكم التنازل عن هذه الدماء.

هؤلاء الضباط والجنود ومفتي الديار، والقضاء وقطعان الشبيحة، وجواسيس النظام، والإعلاميون المحرضون على نصرة الطاغوت بشار،  طائفة كفر وردة بالإضافة إلى ارتكابهم جريمة الإفساد في الأرض.

ومن ثم ليس لأولياء الدم ولا لأي حاكم ولو كان الإمام الأعظم في الإسلام؛ التنازل أو التصالح أو العفو عن هؤلاء المحاربين للإسلام وأهله.

وإلى مجلس الإفتاء الأعلى أقول الحكم بدستور علماني هو الفوضى وليس القصاص من أنصار النظام الطاغوتي السابق!

ويا مجلس الإفتاء لن ينفعكم تدليل أنصار الطاغوت السابق! لن ينفعكم أحمد الشرع! ولن ينفعكم منصابكم وجاهكم! أنتم أنصار أحمد الشرع الذي عينكم! ولستم أنصار رب العالمين! لا حل لكم إلا بالتوبة والبراء منه! ففروا إلى الله قبل فوات الأوان!

 

ألا هل بلغت اللهم فاشهد

كلمة ع الماشي د. هاني السباعي

تاريخ 12 ذي الحجة 1446هـ ـ 8 يونية 2025