وفاة العبد الصالح المهندس محمد ربيع الظـ و ا هر ي

وفاة العبد الصالح المهندس محمد ربيع الظـ و ا هر ي

كان أخلاقاً حميدة تمشي على الأرض

د.هاني السباعي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد.

توفي صباح اليوم الشيخ الفاضل العالم العامل الزاهد الورع العبد الصالح المهندس محمد ربيع الظواهري (71عاما)  بمحافظة الجيزة تاريخ 3 من شعبان 1445هـ ـ 13 فبراير 2024 تغمده الله برحمته.

  أحسب أن هذه الآية الكريمة تشمله وأمثاله من المؤمنين الصادقين الثابتين على الحق: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23)

نبذة عن المهندس محمد رحمه الله:

هو الشيخ الفاضل المخبت الصوام القوام الزاهد الورع العالم العامل المجاهد بحق محمد  ربيع الظ واهـ ري مولود عام 1372هـ الموافق 1953 بمستشفى بحي الدقي بالجيزة، ابن حي المعادي الراقي اجتماعياً بمصر، وسليل أسرة ميسورة عريقة في مجالات العلم الشرعي والأدب والسياسة والطب.

أما عن تعليمه:

تفوق المهندس محمد  في الثانوية العامة بدرجات أهلته للالتحاق بكلية الهندسة قسم عمارة ثم تخرج فيها عام 1974 .

بداية الالتزام:

لقد التزم دينيا في المرحلة الثانوية مع شقيقه الأكبر الشيخ العالم العامل المجاهد بحق الدكتور أيمن ـ (قتل عام 2020 بعد تحرير أفغانستان) ـ تقبله الله في الفردوس الأعلى. اللهم آمين.

كان المهندس محمد يتردد مع شقيقه الدكتور أيمن على مسجد "أنصار السنة" ويلتقي ورفاقه هناك، حيث يستمعون الى الدروس الدينية ويحضرون حلقات تجويد القرآن الكريم على أحد الشيوخ، ثم يقرأون كتب التفسير، وبعد ذلك بدأوا يقرأون كتباً طُبعت في "المكتبة السلفية" مثل كتب شيخ الإسلام بن تيمية ـ رحمه الله ـ الذي أثّرت فتاويه فيهما تأثيراً كبيراً. تأثر وشقيقه الدكتور أيمن أيضا بكتب الشيخ سيد قطب ـ تقبله الله ـ قد تلقى العلم الشرعي على يد كوكبة من أهل العلم في ذلك الوقت وفي خارج مصر بأرض الحرمين كالشيخ العلامة عبد المحسن العباد، وباكستان وأفغانستان والسودان واليمن وأذربيجان والشيشان وغيرها. 

 اتهم قديماً في قضية الجهاد الكبرى عام 1981 حكم عليه الإعدام غيابياً حيث كان قد  سافر إلى أرض الحرمين ثم إلى باكستان وشارك في العمل الإغاثي إبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام 1979.

 وظل في هذا العمل الإغاثي إلى أن تم اعتقاله بدولة الإمارات رغم أنه كان متجها ليعمل مهندساً في إحدى الشركات!! وعذبه الأمن الإماراتي تعذيباً شديداً ثم ترحيله إلى مصر عام 1999.

وظهر أول مرة في محكمة (العائدون من ألبانيا) بعد أن كان الأمن يصر على عدم وجوده في مصر حتى رآه الشيخ أحمد سلامة مبروك ـ (قتل في الشام عام 2016  تقبله الله في الفردوس الأعلى) ـ أثناء التحقيق حيث التعذيب الرهيب في أقبية أمن الدولة كانوا يصعقونه بالكهرباء ولا يسمحون له بالاستحمام إلا كل أربعة اشهر!

 ولما حضر أمام المحكمة قال الشيخ أحمد سلامة  بأعلى صوته إن المهندس محمد موجود في السجن فأمر القاضي بإحضاره.

 ثم في عام 1999حكم على المهندس محمد وشقيقه و107 مسلماً بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة. وفي أعقاب ثورة 25 يناير 2011 أفرج عنه ثم اعتقل مرة أخرى ثم تم تبرئته من المحكمة العسكرية عام 2012. لكنه اعتقل بعد انقلاب العسكر عام 2013 ثم بعد عدة سنوات تم الإفراج عنه بشرط المبيت في قسم الشرطة يومياً ثم يذهب إلى منزله صباحاً هكذا بلا رحمة حتى جاءنا الخبر المحزن بوفاته رحمه الله وأسكنه جنات عدن.

مؤلفات الشيخ المهندس محمد رحمه الله:

للشيخ محمد عدة كتب منها كتاب جريمة العصر، وكتب عن نقض الديمقراطية، وحكم دخول الانتخابات والاشتراك في الأحزاب وغيرها من كتب ورسائل ومقابلات ببعض الفضائيات وغيرها.

عائلته:

جده شيخ الأزهر الأسبق الذي كان يلقب بشيخ الإسلام؛  الشيخ الأحمدي الظ واهـ ري تولى مشيخة الجامع الأزهر خلال الفترة 1930-1935.

جده لأمه الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام كان أستاذ الآداب الشرقية وعميد كلية الآداب، وشغل عدة مناصب مرموقة، فكان رئيس جامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية، وسفير مصر في باكستان والسعودية واليمن وهو أول من ترجم شعر إقبال بالعربية.

وعم أمه عبد الرحمن باشا عزام؛ كان أول أمين عام لجامعة الدول العربية، والأستاذ السفير سالم عزام رئيس المركز الإسلامي بأوروبا والأستاذ محفوظ عزام السياسي المخضرم وكوكبة من مشاهير السياسة والعلم بمصر من آل الظ واهـ ري وعزام.

لقد تشرفت بالتعرف شخصياً على الأستاذين؛ سالم، ومحفوظ عزام حيث التقيت بهما في مناسبات كانا ـ رحمهما الله ـ مثالاً للأخلاق الرفيعة والتواضع والأدب والحياء؛ لذلك لاعجب من تلكم "الموروثات الجينية"! من تواضع وحسن أخلاق الشيخ المهندس محمد.. فأكرم به من نسب! وكما قال الفرزدق:

أولائك أبائي فجئني بمثلهم  ** إذا جمعتنا ياجرير المجامع

أما والده هو: الأستاذ الدكتور محمد ربيع الظ واهـ ري كان أستاذ علم الأدوية وعميد كلية الطب جامعة عين شمس، توفي ـ رحمه الله ـ عام 1995.

عمه: الأستاذ الدكتور محمد الشافعي الظ واهـ ري من علماء الطب في العالم، وهو أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة القاهرة ورئيس اتحاد أطباء الجلد العرب.

فإخوته وأخواته وأزواجهن أطباء ومهندسون، وأعمامه وأخواله من مشاهيرالسياسة والطب بمصر والعالم العربي.

لقد آثرالمهندس محمد وشقيقه الدكتور أيمن  شظف العيش والالتحاف بالسماء، والكر والفر، والنوم في العراء، يتقلبان بين قيظ حارق وزمهرير قارس، يتقاسمان اللقمة مع إخوانهم المجاهدين، آثر الشيخ حياة الجبال والكهوف على حياة الترف ورغد العيش! لم تعرف له ولا لشقيقه جاهلية بشهادة الأعداء والأحباء! كان  يقضيان أوقاتاً طويلة في مكتبة جدهما شيخ الأزهر الاحمدي الظواهري ـ كما حكى شقيقه الدكتور أيمن لي شخصياً وهذا شرف لي ـ لم يضيعا هو ولا شقيه أوقاتهما فيما لانفع فيه كما يفعل أقرانهما، كأن الله يعدهما لأمر عظيم.

كأنه أخلاق حق حميدة تمشي على الأرض!:

لقد نشأ هذا الرجل الزاهد الورع ذو الأخلاق الحميدة الشفوق على أمة الإسلام، وترعرع على حب العلم والجهاد، فكأنه وشقيقيه الدكتور أيمن ذروة سنام الإسلام تمشي على الأرض! صار الجهاد لازمة لهما! تقبلهما الله في رحمته.

وداعاً أبا أيمن!

فالصدر معتملٌ.. والعينُ باكيةٌ.. والقلبُ خفقانُ..

أُلام لما أبدي عليك من الأسى *** وإني لأخفى منك أضعاف ما أبدي

وداعاً أيها العبد الصالح!

وداعاً أيها الشيخ العالم العامل الورع الزاهد المجاهد بحق المظلوم ..

إنه ليحزننا أن تفارقنا الرجولة في زمن عز فيه الرجال..

أخيراً أحسبك قد لحقت بشقيقك رحمه الله.. أحسبك قد فزت ورب الكعبة ولا أزكيك على خالقك.. نسأل الله العظيم أن يغفر له ويرحمه، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن ينتقم ممن ظلمه،  كما نسأله سبحانه وتعالى أن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله الصبر والسلوان .. ولا نقول إلا ما يرضي أرحم الراحمين .. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

العبد الفقير هاني السباعي

3 شعبان 1445هـ ـ 13 فبراير 2024