معركة المصحف القضاء والتشريع والمحكمة مِن حُكمِ الله!!

 

 

معركة المصحف

القضاء والتشريع والمحكمة مِن حُكمِ الله!!

 

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

 

    بقلم: الإمام حسن البنا

 

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

 

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شيء فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 178-179]

 

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]

 

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]

الإمام حسن البنا

 

توضع القوانين وتنشأ المحاكم وينصب القضاة لصون الحقوق فى الدماء والأموال والأعراض، وهي ما يحرص عليه الناس فى هذه الحياة ولتفصل بينهم فى كل خلاف يقع حول هذه الأمور الثلاثة التى تواضع المجتمع عليها من لدن وجد إلى الآن. على أن الاعتداء عليها تنكر وجريمة يجب أن تقاوم، وجاء الإسلام يؤكد هذا المعنى فيقول رسول الله (ص) "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله".

 

فهل خَلا القرآن من أصول القواعد التشريعية التي تصون على الناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتكشف لهم على طريقة الفصل فيما يقع بينهم حولها من خلاف؟

 

وهل خلت أيدي المسلمين وعقولهم وجماعتهم من الثروة الفقهية والتشريعية التي تفصل لهم في وجوه الخلاف، وحرموا أئمة التشريع وأساتذة الحقوق والقوانين؟

 

وهل أقفرت حياتهم الاجتماعية في أعصارهم التاريخية ودولهم الماضية من القضاء العادل والحكم المنظم والمحكمة التي كانت مصدر عدالة ومشرق نور وإنصاف وهداية؟

 

والجواب على ذلك من كتاب الله ومن ميراث هذه الأمة الضخم ومن تاريخها المجيد لا لبس فيه ولا غموض. فقد وضع القرآن الكريم أصول قواعد المحافظة على الدماء والفصل فيها بآيات القصاص فى القتل والجراحات، ووضع أصول قواعد المحافظة على الأموال والفصل فيها بتحريم الربا، وفرض الزكاة وعقوبة السرقة وآداب التعامل ووضع أصول قواعد المحافظة على الأعراض؛ لسد أبواب الفتنة وذرائعها، وعقوبة القذف وحد الزنا وتقديس الزواج، وحاط ذلك بسياج من عقوبة المعتدين فى الأرض، وأشرك فى الزجر عامل الضمير وعقيدة الجزاء فى اليوم الآخر، فلم يدع زيادة لمستزيد وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.

 

وبين أيدي الدارسين والباحثين ثروة فقهية تشريعية ضخمة فخمة هي بقية مما ترك أولئك الأئمة الأعلام من رجالات الفقه الإسلامي الذين كانوا غرة فى جبين الدنيا، ونجوما زاهرة فى سماء العلم والمعرفة أمثال: أبى حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيبانى، والليث بن سعد المصري، وداود الظاهري وغيرهم من المئات بل الآلاف، كانوا آية الله فى الفطنة والذكاء وجودة البحث وصحة النظر ودقة الحكم وصدق الفراسة حتى ضربت بهم في ذلك كل الأمثال.

 

وتاريخ الدول الإسلامية العظيمة حافل بالعدول من القضاة المحدثين ما كانوا يخشون فى الحق لومة لائم، وكان أحدهم يقضى على نفسه وعلى أقرب الناس إليه وعلى الأمير فى إمارته والملك فى عز سطوته لا تمنعه عظمة العظيم من أن يأخذ الحق منه لأصغر صغير.

 

وهذه الحقائق ثابتة واضحة لا يجادل فيهن إلا الكفور، فلماذا نعدل عنها ونرضى أن نكون عالة على غيرنا فى التقنين والتشريع وأصول التحاكم والقضاء؟ فاصلنا الله على هذا، ولن نكون مؤمنين إلا إذا رجعنا فى ذلك كله إلى حكم الله، وهل بعد هذه المصارحة من بيان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65].

 

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول:

 

    إننا لسنا مختارين فى هذا فقد غزتنا الحضارة الأوروبية بأوضاعها الاجتماعية فنقلنا عنها هذه القوانين، ولا نملك الآن أن نعدل عنها، وقد أصبحنا مقيدين باتفاقات دولية ومعاهدات سياسية وقانونية.

 

    وماذا نصنع بغير المسلمين الذين يخالفوننا فى الدين وبالأجانب الذي ينزلون ديارنا ولا يشتركون معنا في الجنسية؟

 

    وكيف نطبق اليوم شريعة ألف عام أو يزيد بعد أن تطورت قواعد التشريع وأساليبه هذا التطور العجيب مع ما فى هذه الأحكام من قسوة وجحود؟

 

    سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول هذا.

 

وسنرد عليه في الكلمة الآتية بما يكفيه ويشفيه إن شاء الله:

 

    ولكن قبل هذه الردود نريد أن نقف نحن وإياه أمام حقيقة الإيمان وجها لوجه فنقول له ولأمثاله نحن يا هذا نخاطب المؤمنين بهذا القرآن الكريم أولا فإن كنت منهم فهذا هو صريح القرآن الكريم لا تملك أنت ولا غيرك حولا عنه ولا بديلا منه، فاختر لنفسك، وخذ أو دع ولا ثالثة لها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب: 36] "صدق الله العظيم"

 

المصدر: جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (629)، السنة الثالثة، 9 رجب 1367 هـ/18 مايو 1948م، ص(3).

 

https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%AD%D9%81_.._%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9_%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9_%D9%85%D9%86_%D8%AD%D9%83%D9%85%D9%90_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87